ابن كثير

422

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تلك الليلة لم تقع لأنه قال : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس ، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة سبحان . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو النضر ، حدثنا محمد بن طلحة عن الوليد بن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة قال محمد أظنه عن ابن مسعود أنه قال : إن محمدا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين : أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته فأراه صورته فسد الأفق ، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به ، وقوله : وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال : فلما أحسّ جبريل ربه عز وجل عاد في صورته وسجد ، فقوله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال : خلق جبريل عليه السلام ، وهكذا رواه أحمد وهو غريب . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 19 إلى 26 ] أَ فَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ( 24 ) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ( 25 ) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان ، واتخاذهم البيوت لها مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن عليه السلام أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف ، له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف ، وهم ثقيف ومن تابعها ، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش ، قال ابن جرير « 2 » : وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم اللّه فقالوا اللات ، يعنون مؤنثة منه ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ، وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللات بتشديد التاء وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق ، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه . وقال البخاري « 3 » : حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم ، حدثنا أبو الأشهب ، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله : اللَّاتَ وَالْعُزَّى قال : كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج ، قال ابن جرير « 4 » : وكذا العزى من العزيز ، وكانت شجرة عليها بناء وأستار

--> ( 1 ) المسند 1 / 407 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 520 . ( 3 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 53 ، باب 2 . ( 4 ) تفسير الطبري 11 / 520 .